في البورصة المصرية، هناك فئة لا تظهر في المؤتمرات ولا تتصدر نشرات الإفصاح، لكنها تدير جزءًا من اللعبة في الخفاء. إنهم كواحيل السوق. تلك الكلمة الغامضة التي تترد في البورصة المصرية.
الكواحيل كلمة يعرفها جيدًا من يعملون في الخفاء. هم أولئك الذين يظهرون في بيانات التداول كمستثمرين نشطين، بينما في الحقيقة لا يملكون قرار ولا أموالً بل مجرد أسماء تستعار لخدمة آخرين يتحركون من خلف الستار.
من هم الكواحيل؟..أصل الكلمة
هم الأشخاص الذين تفتح بأسمائهم حسابات تداول لا تخصهم فعليا، وإنما تستخدم كواجهة لمستثمرين أو مساهمين يرغبون في إخفاء هويتهم الحقيقية، أو في تجاوز حدود الملكية المقررة قانونًا دون الإفصاح عنها.
والكُحيل يحصل عادة على مقابل مالي بسيط نظير السماح باستخدام اسمه، بينما يجني الطرف الحقيقي الأرباح ويُخفي أثره.
كلمة الكواحيل لم تأتي من القواميس الاقتصادية، بل ظهر داخل أروقة السوق نفسه. و الكلمة مشتقة من الكُحْل الذي يُستخدم لتزيين العين، لكن وظيفته الأساسية هي إخفاء ما تحت السطح.
ومع مرور الوقت، تحولت الكلمة إلى تعبير ساخر بين السماسرة والمتداولين للدلالة على الأشخاص الذين تُستخدم أسماؤهم لتغطية صفقات أو ملكيات حقيقية، حتى صاروا يُعرفون في لغة السوق باسم “كُواحيل البورصة”.
كيف تعمل منظومة الكواحيل؟
العملية تبدأ عندما يتم فتح حساب تداول باسم شخص حقيقي، غالبا موظف صغير أو صديق أو قريب لأحد المستثمرين. ثم يتم إيداع الأموال من طرف ثالث، ويبدأ التداول على السهم لصالح المستثمر غير الظاهر.
وفي حالات أكثر تعقيدا، يتم تشكيل شبكة من الحسابات تعمل كمنظومة واحدة لخلق حركة تداول وهمية أو للتأثير على سعر سهم معين.
أنماط مختلفة من الكُواحيل
-
كحيل الأفراد: يستخدمه المستثمرون الكبار لإخفاء ملكياتهم في شركات معينة.
-
كحيل السمسار: موظف في شركة وساطة يسهّل العملية مقابل عمولة.
-
كواحيل المساهمين الرئيسيين: وسيلة لتجاوز نسب الإفصاح القانونية (٥٪ أو ١٠٪ من رأس المال).
-
كواحيل المضاربات: شبكة حسابات تدير عمليات بيع وشراء وهمية لخلق انطباع بارتفاع الطلب على السهم.
من وراء الستار؟
أكدت مصادر داخل شركات السمسرة أن بعض الكُواحيل لا يعلمون أصلًا حجم العمليات المنفذة بأسمائهم.
يقول أحد السماسرة السابقين والذي اشترط عدم الكشف عن هويته: “”فيه ناس بتفتح حسابات بأسماء موظفين أو أقارب، وبيتحرك بيها مستثمر واحد. كل الأوامر بتخرج من جهاز كمبيوتر واحد، لكن النظام بيشوفهم كعملاء مختلفين.”
ويضيف: “اللي عايز يحرك سهم أو يخفي مركز مالي بيعمل شبكة كُواحيل. كل واحد باسمه حساب، لكن القرار والفلوس من شخص واحد.”
الأضرار والمخاطر
وجود الكواحيل يدمر صميم نزاهة السوق ويخلق بيئة مضللة إذ تؤدي إلي :
- تزييف العرض والطلب: تنفذ صفقات شكلية تعطي انطباع زائفً بارتفاع الطلب على السهم.
-
إخفاء هوية الملاك الحقيقيين: مما يعيق عمل الرقابة ويضعف الشفافية.
-
احتمالات غسل الأموال: استخدام الحسابات في تدوير أموال مجهولة المصدر.
-
تشويه ثقة المستثمرين: إذ يفقد السوق مصداقيته أمام المستثمرين الجادين.
-
خسائر صغار المستثمرين: الذين ينجذبون إلى الأسهم المتحركة مصطنعًا دون معرفة الخلفية الحقيقية وراءها.
الرقابة ومواجهة الظاهرة
الهيئة العامة للرقابة المالية تمتلك أنظمة لرصد التداولات غير الاعتيادية، لكنها تواجه صعوبة حقيقية في إثبات السيطرة الفعلية على الحسابات، طالما أن الأسماء والبيانات سليمة قانونيًا.
أحد المصادر الرقابية قال: “القانون بيحاسب على الاسم، مش على النية. لو الحساب قانوني والأوامر صحيحة، إثبات إن فيه حد تاني وراها محتاج تتبع دقيق جدًا ومعلومات بنكية.”
ولا تقتصر المعالجة على جانب قانوني فقط، بل تحتاج إلى تنسيق رقابي وتقني وثقافي متكامل. واجتمعت المصادر على ضرورة اتباع الاجراءات التالية:
-
تشديد إجراءات فتح الحسابات: إلزام شركات السمسرة بالتحقق من مصدر الأموال وهوية المستفيد الفعلي.
-
الربط البنكي الكامل: ربط كل حساب تداول بحساب مصرفي محدد لمراقبة حركة الأموال.
-
استخدام الذكاء الاصطناعي: لتحليل أنماط التداول واكتشاف الحسابات المتكررة السلوك.
-
زيادة الغرامات والعقوبات: ضد السماسرة أو المستثمرين الذين يثبت تورطهم في إدارة حسابات غيرهم.
-
التوعية والشفافية: إطلاق حملات لتوعية المستثمرين بخطورة المشاركة في هذه الأنشطة حتى لو ظاهريا.
الوجه الأخطر
حذرت المصادر من أن ظاهرة الكُواحيل لم تعد مجرد وسيلة للتحايل الفردي، بل أصبحت أداة منظمة لتحريك الأسعار والتحكم في مصير بعض الأسهم الصغيرة.
وأشارت المصادر إلى أن مواجهة ظاهرة الكواحيل تتطلب أكثر من تشديد القوانين، بل تغيير ثقافة التعامل داخل السوق، وبناء نظام رقابي ذكي قادر على كشف من يقف خلف كل عملية. فالسوق لا ينهار حين تخسر الأسعار، بل حين تُفقد الثقة.













