في سوق يتحرك بالثواني، تتصارع الشائعات مع الحقائق كل يوم.
لم تعد المضاربات الوهمية تصرفات فردية، بل أصبحت ظاهرة تهدد ثقة المستثمرين في البورصة المصرية.
بين عامي 2020 و2025، تكشف وثائق رسمية وأحكام قضائية كواليس ما يجري داخل السوق. بعض المستثمرين استخدموا كل الوسائل الممكنة لإرباك التداول وتحقيق أرباح غير مشروعة.
من الصفقات المتزامنة إلى تدوير الأسهم وتسريب المعلومات، ظهرت أنماط جديدة من الخداع المالي. كما انتقلت المضاربات من شاشات التداول إلى صفحات فيسبوك ومجموعات تيليجرام.
تحولت الشائعات إلى أداة ضغط، والإفصاحات الناقصة إلى وسيلة للربح السريع. وبين من حاول التحايل على قواعد الإفصاح ومن نشر الأكاذيب، تضررت ثقة السوق.
التقرير التالي يرصد أبرز هذه القضايا، مدعومة بوثائق وأحكام رسمية.من إخفاء المعلومات الجوهرية إلى التضليل الرقمي، وصولًا إلى أحدث مخالفات شركات مدرجة كشفتها الهيئة العامة للرقابة المالية.
لمحة سريعة عن الأساليب المستخدمة في التلاعب
-
صفقات متزامنة : اتفاق بين أطراف لتنفيذ بيع/شراء في توقيت واحد لإيهام الطلب.
-
أوامر وهمية: وضع أوامر كبيرة ثم إلغاؤها قبل التنفيذ لتحريك السعر.
-
تدوير السهم: تبادل شراء/بيع بين حسابات مرتبطة لخلق حجم تداول مصطنع.
-
نشر معلومات مضللة/شائعات عبر صفحات ومجموعات على فيسبوك وتيليجرام.
-
استغلال معلومات داخلية أو الإفصاح غير الكامل عن صفقات جوهرية.
ويؤدي التلاعب إلى فقدان الثقة بين المستثمرين والسوق وانخفاض السيولة على المدى الطويل. كون المتعاملين الحقيقيين يخشون المضاربات، بالإضافة الى الإضرار بسمعة البورصة المصرية أمام المستثمرين الأجانب.
حالات ومتلاعبين
نموذج (الخليجية الكندية): تلاعب بأسلوب تنفيذ صفقات مكثفة متزامنة في 2020
في 2020، سجلت تداولات مكثفة على سهم شركة «الخليجية الكندية للاستثمار العقاري العربي»، أدت إلى ارتفاع غير حقيقي في السعر، وفق ما أثبتته عمليات التحقيق لاحقا.
واجه المستثمر محمد ممدوح حسن الماوي، اتهامات بالتلاعب عبر تنفيذ تعاملات مكثفة ومتزامنة لإحداث تأثير سعرى مصطنع؛ وصدرت ضده غرامة استئنافية قُدّرت بنحو 35.5 مليون جنيه.
نموذج تسريب معلومات داخلية – شركة العقارية للبنوك الوطنية
أدانت المحكمة في هذه القضية محمد أبو زيد، رئيس مجلس إدارة شركة العقارية للبنوك الوطنية سابقًا، بتهمة إفشاء معلومات داخلية جوهرية تخص أداء الشركة المالي إلى شقيقه علي أبو زيد، قبل إعلانها رسميًا للبورصة.
استغل شقيق رئيس الشركة في ذلك الوقت تلك المعلومات في تنفيذ عمليات بيع مكثفة على السهم بهدف تجنّب الخسائر وتحقيق مكاسب سريعة، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لأحكام قانون سوق المال المتعلقة بمنع التداول بناءًا على معلومات غير معلنة.
في 8 يونيو 2022، أصدرت محكمة الاستئناف الاقتصادية حكمًا يقضي بحبس محمد أبو زيد سنتين مع الشغل، وتغريم علي أبو زيد 500 ألف جنيه. وفي 28 سبتمبر 2024، رفضت محكمة النقض الطعن المقدم من المتهمين، ليصبح الحكم نهائي وبات.
نموذج إخفاء معلومة جوهرية – شركة سبيد ميديكال
في ديسمبر 2021، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية توقيع غرامة قياسية على شركة سبيد ميديكال هي الأكبر منذ إدراجها بالبورصة عام 2019، بعد ثبوت مخالفتها لقواعد الإفصاح المنصوص عليها في المادة (34) من قواعد قيد وشطب الأوراق المالية.
وأوضحت الهيئة أن الشركة لم تُفصح عن إلغاء عقد استحواذها على مستشفى الصفوة الجديدة، بعد انتهاء مهلة تنفيذ الصفقة، ما يمثل إخفاء معلومة جوهرية.
كما تبين أن الشركة تحملت غرامة قدرها 4 ملايين جنيه كشرط جزائي مقابل مد أجل تنفيذ الصفقة، لكنها لم تفصح عن ذلك في حينه، ما اعتبرته الهيئة إخفاءً لمعلومة جوهرية تستوجب المساءلة القانونية.
وعلى خلفية تلك المخالفة، رفعت الهيئة دعاوى قضائية ضد الشركة ومسؤوليها التنفيذيين، في إطار تشديد الرقابة على التزام الشركات المدرجة بمعايير الشفافية والإفصاح.
نموذج التحايل على قواعد الإفصاح — قضية شركة “رواد للسياحة”
أصدرت المحكمة الاقتصادية في فبراير 2025 حكم بتغريم عدة متهمين، من بينهم المستثمر أحمد محمد نبيه محمد حسنين الدسوقي، مبلغ 200 ألف جنيه لكل متهم، مع إلزامهم برد قيمة الأوراق المالية محل المخالفة.
وتعود الواقعة إلى قيام مجموعة من المستثمرين الأفراد بزيادة حصتهم في شركة “رواد للسياحة” إلى ما يتجاوز الثلث. دون التقدم بعرض شراء إجباري، كما تُلزم المادة 327 من اللائحة التنفيذية لقانون سوق المال رقم 95 لسنة 1992.
ويُعد أحمد نبيه أحد كبار المستثمرين الأفراد في البورصة المصرية. وقد رفع حصته في “رواد للسياحة” خلال سبتمبر 2021 من نحو 1.36% إلى 11.89%. دون الإفصاح عن نية السيطرة أو التنسيق مع الأطراف المرتبطة، وهو ما صنّفته الهيئة تحايل على القواعد.
وتُعد هذه القضية نموذج واضح لما يُعرف بـ “التلاعب الهيكلي” في الأسواق. حيث لا يتم التأثير على الأسعار مباشرة، وإنما عبر إخفاء نية السيطرة وتجاوز نسب الملكية القانونية دون الإعلان.
نموذج التضليل باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي
أصدرت المحكمة الاقتصادية حكمًا بتغريم رامي محب قيصر 2 مليون جنيه، لنشر معلومات مضللة على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التأثير على الأسعار.
في مايو 2025، قضت المحكمة بتغريم محمد علي سليمان مبلغ 500 ألف جنيه، بعد ثبوت ترويجه لمعلومات كاذبة عبر الفيسبوك.
نموذج التحايل على أموال الشركة (المؤشر للبرمجيات + بريميم هيلثكير جروب)
قامت شركة المؤشر للبرمجيات بضخ حصيلة زيادة رأس المال في أغراض غير معلنة للمستثمرين.
وأشارت الهيئة إلى أن الإفصاح المعلن كان ناقصًا، ما يعكس تحايل على قواعد الإفصاح والشفافية المعمول بها.
وفي هذا النموذج، كشفت الهيئة وجود صور شيكات صادرة من شركة بريميم هيلثكير جروب لصالح أشخاص غير مرتبطين بها.
وكشفت الهيئة أن المقر الرئيسي للشركة هو معمل تحاليل طبية باسم “سيتي للتحاليل”، وليس المقر الفعلي كما أفصحت الشركة سابقًا.
وتم إيقاف التعامل على أسهم الشركة ونقلها إلى السوق غير النشط، مما يعكس القلق بشأن استقرار الشركة وشفافية تعاملاتها.
لماذا يصعب كشف التلاعب؟
المتلاعبين يستخدمون حسابات بأسماء مختلفة أو وسطاء متعددين، بجانب وجود تأخر زمني بين ارتكاب المخالفة واكتمال التحقيقات.
والجدير بالذكر أن ليس كل تحركات السهم المشبوهة تكون نتيجة تلاعب؛ أحيانًا يكون السبب إشاعات أو تداول طبيعي.
كيف تتعامل الرقابة المالية مع هذه الممارسات؟ وماذا عن سبل الحماية ؟
تمتلك الهيئة العامة للرقابة المالية نظام مراقبة إلكتروني يرصد التحركات غير الطبيعية في التداول بالتعاون مع البورصة.
ويجب على المستثمر أن يراقب نشرات الهيئة العامة للرقابة المالية والبيانات الأسبوعية للبورصة حول الأسهم الموقوفة أو التي تخضع للتحقيق.
هل السوق على موعد مع قضية جديدة؟
في ظل هذه المخالفات، يظل السؤال قائمًا: هل ستشهد البورصة المصرية مزيدًا من القضايا المتعلقة بالتلاعب والإفصاح غير الكامل؟
المستثمرون والمراقبون يتطلعون إلى مزيد من الشفافية والإجراءات الصارمة لضمان نزاهة السوق وحماية حقوق المساهمين.
أظهرت الهيئة خلال السنوات الأخيرة قدرة على كشف مخالفات جوهرية في بعض الشركات المدرجة، مثل المؤشر للبرمجيات وبريميم هيلثكير جروب.
والإجراءات التي اتخذتها، من تفتيش ومراجعة للحسابات إلى تكليف محاسبين قانونيين لإعداد تقارير مفصلة، ساعدت في حماية حقوق المساهمين.
وتظل التحديات كبيرة في مراقبة السوق الكامل، مع تنامي التداول الرقمي والمضاربات المعقدة، مما يجعل متابعة الهيئة أمرًا ضروريا.













